سيد محمد طنطاوي

402

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فتيل ، وهو الخيط المستطيل في شق النواة ، وبه يضرب المثل في الشيء القليل ومن في قوله * ( فَمَنْ أُوتِيَ ) * يجوز أن تكون شرطية ، وأن تكون موصولة ، ودخلت الفاء في الخبر وهو « فأولئك » لشبهه بالشرط . وجاء التعبير في قوله * ( أُوتِيَ كِتابَه بِيَمِينِه ) * بالإفراد ، حملا على لفظ من ، وجاء التعبير بالجمع في * ( فَأُولئِكَ ) * حملا على معناها . وفي قوله - سبحانه - * ( بِيَمِينِه ) * تشريف وتبشير لصاحب هذا الكتاب الملئ بالإيمان والعمل الصالح وقال - سبحانه - : * ( فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ ) * بالإظهار ، ولم يقل : يقرؤنه ، لمزيد العناية بهؤلاء السعداء ، ولبيان أن هذا الكتاب تبتهج النفوس بتكرار اسمه . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من أوتى كتابه بشماله فقال : * ( ومَنْ كانَ فِي هذِه أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى وأَضَلُّ سَبِيلًا ) * . والمراد بالعمى هنا : عمى القلب لا عمى العين ، بدليل قوله - تعالى - : فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ . والمعنى : ومن كان من بني آدم في هذه الدنيا أعمى القلب ، مطموس البصيرة ، بسبب إيثاره الكفر على الإيمان ، فهو في الدار الآخرة أشد عمى ، وأضل سبيلا منه في الدنيا ، لأنه في الدنيا كان في إمكانه أن يتدارك ما فاته أما في الآخرة فلا تدارك لما فاته . وعبر - سبحانه - عن الذي أوتى كتابه بشماله بقوله - * ( ومَنْ كانَ فِي هذِه أَعْمى ) * للإرشاد إلى العلة التي بسببها أصابه الشقاء في الآخرة ، وهي - فقدانه النظر السليم ، وإيثاره الغي على الرشد ، والباطل على الحق . . ومما يدل على أن المراد به من أوتى كتابه بشماله ، مقابلته لمن أوتى كتابه بيمينه ، كما جاء في آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَه بِيَمِينِه فَيَقُولُ : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَه . إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَه . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ . فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ . قُطُوفُها دانِيَةٌ . كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخالِيَةِ . وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَه بِشِمالِه فَيَقُولُ : يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَه « 1 » . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لبنى آدم من التكريم والتفضيل ما من شأنه أن

--> ( 1 ) سورة الحاقة الآيات من 19 إلى 25 .